عبد الكريم الخطيب
1301
التفسير القرآنى للقرآن
هذه نظرة شاعر . . نظر إلى هذه الظاهرة من ظاهرها ، وشغل بألوانها ، وألحانها ، عما وراء هذه الألوان ، وتلك الألحان ، من حقائق ، تصل هذه القطعة من الطبيعة بالوجود كله ، ثم تضيف هذا الوجود إلى الموجد ، المبدع ، المصوّر ! وإليك نظرة نبىّ ! ومن ؟ إنه نبىّ الأنبياء ، وخاتم المرسلين ، محمد بن عبد اللّه ، صلوات اللّه وسلامه عليه . . فقد روى أنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - كان إذا نزل المطر ، خرج إلى العراء ، وكشف له عن رأسه ، واحتواه بين ذراعيه . . وكان صلوات اللّه وسلامه عليه يقول : « إنه قريب عهد بربه » . . أي إنه رحمة مرسلة من عند اللّه . . رحمة محسوسة ملموسة ، ترى بالعين ، وتلمس باليد ، وتذاق باللسان . . ! فمن أراد أن يشهد رحمة اللّه عيانا ، فهي في هذا الماء المنزّل من السماء . . صافيا طاهرا ، لم يعلق به شئ من أخلاط الأرض . . إنه في طهر المواليد التي تلدها الحياة . . من إنسان أو حيوان أو نبات ! قوله تعالى : « وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ » . . أي وينزل من جبال في السماء ، وهي السحب المتراكمة - بردا ، وهو قطع الثلج . . فقوله تعالى : « مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ » بدل من السماء . . وفي الإشارة إلى هذه الظاهرة ، إشارة إلى أن هذه السحب التي ينزل منها الماء ، هي أيضا ، وإن كانت مصدر نعمة ، يمكن أيضا أن تكون مصدر نقمة ، حين ينزل منها هذا البرد ، وكأنه قطع من الأحجار ، تتساقط من الجبال ، فتهلك كل من تقع عليه ، وكأنها بهذه العقوبة الراصدة إلى جانب تلك النعمة